صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

149

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

إن دور القدوة مهم في حياة الأفراد والجماعات ، وما أصيبت دعوة أو فكرة أو مذهب بافتقاد القدوة إلا فقدت تأثيرها ، وما قدم صاحب دعوة الدليل العملي على صحة دعواه إلا بالسلوك والقدوة ، وحينئذ يقتنع الناس وتصبح واقعا سلوكيا في حياة الناس . وما أصيبت مجتمعاتنا الإسلامية في صميمها إلا حين افتقدت القدوة . إن القدوة ترجمة عملية واقعية للمبادىء والأفكار تستطيع أن تجمع الناس حول المثل الأعلى ، ولذا حين تفتقد المثل الأعلى ، ويصبح الناس فرقا وجماعات ومذاهب ، فيفقدون إرادة الفعل ويغرقون في التناطح ، ويتترّسون خلف متاريس الفكر ، كل يحاول الانتصار لفكرته بالكلام والتراشق بالاتهامات ، والتعصب الأعمى القائم على التقليد الأعمى . إن مجتمعاتنا تشكو من فقر خلقي وعلمي وحضاري ، وما ذلك إلا نتيجة لافتقادها للقدوة الصالحة ولو صحت عزائم الناس والعلماء منهم خاصة لأصبح كل واحد منهم قدوة حسنة في مجاله - فهو يملك مقوماتها - ولتحولت الأفكار والمبادئ إلى فعاليات سلوكية صحيحة ، وهذا ما نحتاجه فعلا ، ولكن - وللأسف - ما زلنا نعيش مرحلة اجترار المبادئ والأفكار بدون فعالية ، فنحن في أمس الحاجة إلى القدوة الصالحة بكافة أشكالها وبشروطها السابقة ، ويوم أن توجد تلك القدوة نستطيع أن نمتلك الفعالية ، وننتج الحضارة ، ويكون لنا مكاننا العالمي عطاء وإبداعا . إن القدوة السلوكية أمر لازم لتنمية القيم وصبغها بالفعالية لتكون موجها حقيقيا ، وما امتازت التربية الإسلامية عبر عهودها التي عاشتها إلا بتلك القدوة ، ويوم أن فقدت القدوة فقدت فعاليتها في حياة الناس ، ولذا فإن واجب التربية الإسلامية توفير هذه القدوة حتى تعاود التأثير والإبداع ، ولها في هدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زاد كبير ومدد تستمد منه في إعداد المربين القدوة ، وكذا الآباء والأمهات وسائر المجتمع الإسلامي الذي هو في أمس الحاجة إلى القيم الإسلامية مجسدة في أفراده . و - التربية العملية والتربية بالوقائع : لتنمية الأخلاق لدى المسلمين اتبع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أسلوب التربية العملية ، تعليما وتدريبا ، وربط التوجيه بالأحداث والوقائع الجارية في حياة الناس ، والتربية الإسلامية في هذا المجال تظهر من خلال حديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقبله القرآن الكريم « تربية عملية ، تتحول بها الكلمة إلى عمل بناء ، أو إلى خلق فاضل ، أو إلى تعديل في السلوك على النحو الذي يحقق وجود ذلك الإنسان كما تصوره الإسلام » « 1 » . وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يهمه أن يتحول ما يتلقاه المسلمون منه إلى مواقف عملية وسلوكيات ، وكان كمرب « يثبت بالبراهين العملية والتجارب الفعلية أن ما

--> ( 1 ) عبد الغني عبود ، في التربية الإسلامية ، الطبعة الأولى ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1977 م ، ص 157 .